كتبت كوشُ بالهيروغليفية المصرية قروناً. ثم، نحو القرن الثالث قبل الميلاد، بنى كتبتها شيئاً خاصاً بهم: كتابتين للغةٍ واحدة — صورةٌ هيروغليفية للنُّصُب وجدران المعابد، وخطٌّ متصلٌ سيّالٌ للكتابة اليومية على البردي والرقّ والشقافات. الخطُّ المتصل كان يؤدي العمل اليومي، والهيروغليفية تؤدي الاحتفال.
ثلاثةٌ وعشرون علامة، وابتكارٌ واحد
تحمل كلُّ كتابةٍ 23 علامة: خمس عشرة صامتة، وأربع صائتة — إحداها لا ترد إلا في أول الكلمة — وأربع علاماتٍ مقطعية لـني وسي وتي وتو. وكانت النصوص تجري من اليمين إلى اليسار، وأحياناً رأسياً.
وفعلت المروية ما لم تكد تفعله كتابةٌ قديمة: أشارت إلى حيث تنتهي كلمةٌ وتبدأ أخرى، بفاصلٍ يشبه النقطتين. الهيروغليفية المصرية كانت تجري متصلة، واليونانية كذلك. أما كوش فكتبت بما يعادل المسافات، قبل أكثر من ألفي عام.
فُكَّت رموزها، وما زالت صامتة
في عام 1909 وجد الأثريّ البريطاني فرانسيس لويلين غريفيث المفتاح — قاعدةٌ تحمل أسماء ملوكٍ مرويين بالمروية والهيروغليفية المصرية معاً. ومنها طابق بين الكتابتين المرويتين وبين الأصوات. فصار كلُّ علامةٍ اليوم يُنطق.
والناقص هو المعنى. فلا حجر رشيد للمروية — لا نصَّ ثنائيَّ اللغة طويلاً بإزاء لغةٍ نعرفها. ولذلك تُقرأ آلافُ النقوش الباقية بصوتٍ عالٍ ولا تُفهم إلا جزئياً: أسماءُ ملوكٍ وآلهةٍ وألقابٌ وكلماتٌ مستعارة. وقد وضع اللغويّ كلود ريلي المرويةَ في فرع السودانية الشرقية الشمالية من الأسرة النيلية الصحراوية، إلى جانب النوبية والنارا والتاما والنيمانج — وهو ما يفتح المعجم رويداً من جانبه.
إنها، بالمعنى الحرفيّ تماماً، أرشيفٌ حيٌّ ما زال ينتظر من يقرأه.